الشيخ علي المشكيني
127
رسائل قرآنى
إن قلت : مقتضى هذا البيان إخراج كيفيّة خلق عيسى عليه السلام عن طريق الإعجاز ، وجعله بنحو توافق سنن التكوين وإن كانت غير معتادة ، مع أنّ هنا آيات دالّة على كونه بنحو الإعجاز ، كقوله تعالى : إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » . وقال تعالى : فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً « 2 » . فإن قوله كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ معناه يخلقه اللَّه بالأمر وبمجرّد الإرادة ، فإنّه إذا أراد شيئاً كان . وكذا المستفاد من قوله : لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً ، وقوله : كَذلِكَ قَالَ رَبُّكَ في الآية الثانية كون الخلق على نحو الإعجاز . ونظير الآيتين قوله تعالى : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ « 3 » ، وقوله : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ « 4 » . فإنّ نفخ الروح وجعلها وابنها آية إشارة إلى كون خلقه بنحو الإعجاز . قلت : أمّا الآيتان الأوّلتان : فمفادهما إخبار مريم بأنّ اللَّه يرزقها ولداً من غير مساس بشر وإنسان ، ومن غير طريق الزواج . وقد عرفت إمكانه بل وقوعه على طبق سنّة التكوين وإن كان غير متعارف . وأمّا نسبة هبة الولد إلى الملك فهي صادقة ؛ لما مرّ من كون رؤيته سبباً لحصول
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 45 - 47 . ( 2 ) . مريم ( 19 ) : 17 - 22 . ( 3 ) . الأنبياء ( 21 ) : 91 . ( 4 ) . التحريم ( 66 ) : 12 .